ابن أبي الحديد

56

شرح نهج البلاغة

وقيل لحكيم لم لا تغتم ؟ قال : لأني لم أتخذ ما ، يغمني فقده . وقال الشاعر : فمن سره ألا يرى ما يسوءه * فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا . وقال أصحاب هذا الشأن : القناعة من وجه صبر ، ومن وجه جود ، لان الجود ضربان : جود بما في يدك منتزعا ، وجود عما في يد غيرك متورعا ، وذلك أشرفهما ، ولا يحصل الزهد في الحقيقة إلا لمن يعرف الدنيا ما هي ، ويعرف عيوبها وآفاتها ، ويعرف الآخرة وافتقاره إليها ، ولا بد في ذلك من العلم ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون انه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون ) ( 1 ) . ولأن الزاهد في الدنيا راغب في الآخرة وهو يبيعها بها ، كما قال الله تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين . . . ) ( 2 ) الآية . والكيس لا يبيع عينا بأثر ، إلا إذا عرفهما وعرف فضل ما يبتاع على ما يبيع .

--> ( 1 ) سورة القصص 79 ، 80 . ( 2 ) سورة التوبة 111 .